انعقدت الجلسة العلمية الرابعة عشرة في اليوم الثاني من فعاليات مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية السادس والثلاثين، بعنوان المهن في الإسلام: أخلاقياتها، وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي، ضمن المحور الخامس للمؤتمر بعنوان: “مستقبل المهن في عصر الذكاء الاصطناعي”، برئاسة سماحة الدكتور عبد الرزاق السعدي، أمين عام مجلس علماء مسلمي روسيا، وبمشاركة عدد من العلماء والخبراء من مختلف الدول، حيث ناقشت الجلسة مستقبل المهن والتحولات التكنولوجية في ظل الذكاء الاصطناعي، وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، مع التركيز على دور القيم الإسلامية في توجيه هذه التطورات.
في مستهل الجلسة، رحب سماحة الدكتور عبد الرزاق السعدي بالسادة الحضور من العلماء والباحثين، مؤكدًا أهمية المؤتمر في مناقشة قضية المهن في الإسلام من منظور أخلاقي وإنساني، مشيرًا إلى أن التاريخ الإسلامي قدم نموذجًا حضاريًا متكاملًا لتنظيم العمل والمهن، قائمًا على العلم والقيم وعمارة الأرض، مع إبراز الدور الريادي للمؤسسات العلمية الإسلامية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، في ترسيخ هذا المنهج.
وأوضح رئيس الجلسة أن العلماء مطالبون اليوم باستحضار هذا التراث الحضاري لمعالجة التحديات المعاصرة، وفي مقدمتها التحولات السريعة التي تفرضها التقنيات الحديثة، كما أشاد بمصر كمركز للعلم والعلماء، وشكر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ووزارة الأوقاف على تنظيم المؤتمر، مؤكداً أن هذه الجهود تؤكد العطاء العلمي لمصر لخدمة الأمة.
ثم ألقى سماحة الشيخ أمين الدين محمد إبراهيم، رئيس المجلس الإسلامي ومستشار رئيس الجمهورية بموزمبيق، الكلمة الأولى، حيث استعرض المنظومة الأخلاقية الشاملة للإسلام في تنظيم المهن والأعمال، واعتبار العمل عبادة إذا صلحت النية، مع التركيز على أثر الذكاء الاصطناعي في واقع المهن كفرصة لتعزيز الإنتاجية وتحسين الخدمات، مع التحديات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية المصاحبة، مؤكدًا أن الإنسان يظل محور العملية المهنية. كما دعا إلى إدماج أخلاقيات المهن والذكاء الاصطناعي ضمن سياسات التعليم والتأهيل المهني، وتطوير المناهج التعليمية، وإنشاء هيئات متخصصة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ووضع سياسات وطنية لحماية سوق العمل، وتشجيع البحث العلمي والتعاون بين الدول الإسلامية.
كما شارك في الجلسة الأستاذ الدكتور خالد عبد العال أحمد، عميد كلية أصول الدين بالمنوفية، مبرزًا تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل المصري، وضرورة تحقيق توازن بين الابتكار التكنولوجي وحفظ كرامة الإنسان، موضحًا أن الرؤية الإسلامية توفر إطارًا حضاريًا لتوجيه استخدام هذه التقنية بما يضمن التنمية المستدامة ويحافظ على الاستقرار الاجتماعي.
وألقى الإعلامي الأستاذ أيمن محمد عطية، نائب رئيس الإدارة المركزية للأخبار المسموعة بقطاع الأخبار، مداخلة حول دور الذكاء الاصطناعي في الإعلام، موضحًا أهميته في تحسين سرعة وكفاءة الإنتاج الإعلامي، مع التحذير من مخاطره المتعلقة بعدم فهم السياق القيمي والإنساني، وضرورة إخضاعه لضوابط أخلاقية، وتدريب الإعلاميين على استخدامه بشكل واعٍ.
كما قدمت الأستاذة الدكتورة إيمان محمد المهدي الأطروني، أستاذ الفقه المساعد، رئيس قسم الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالزقازيق، بحثها بعنوان “مهنة البرمجة بين الواقع العملي والفكر”، مؤكدة أن البرمجة والمهارات الرقمية الحديثة من ركائز عصر الذكاء الاصطناعي، شريطة ممارسة هذه المهن وفق ضوابط شرعية وأخلاقية، ووضع أطر قانونية وأخلاقية تحمي المبرمجين والمستخدمين، وتشجع الابتكار بما يخدم التنمية المستدامة.
وفي ختام الجلسة، عرض الأستاذ الدكتور فهمي أحمد عبد الرحمن القزاز، النائب الإداري لشيخ الحديث في العراق وأستاذ الحديث وعلومه بكلية الإمام الأعظم – العراق، رؤية تربط الذكاء الاصطناعي بالإرث الحضاري الإسلامي، مستشهدًا بإنجازات الإمام القرافي المصري في العلوم الميكانيكية والابتكارات العملية، موضحًا أن الحضارة الإسلامية توفر معيارًا لتقدم الأمم، وأن دمج التعليم المتقن والأخلاق والعمل الحضاري مع التقنيات الحديثة هو الطريق الأمثل لتحقيق التنمية والابتكار بما يخدم الإنسانية.
وأكد المشاركون في الجلسة على أهمية ربط مستقبل المهن بالقيم الأخلاقية والإنسانية، وعلى الدور المحوري للعنصر البشري في العملية المهنية، مؤكدين أن الذكاء الاصطناعي أداة لتطوير العمل وليس بديلًا للإنسان، وأن المستقبل مرهون بترسيخ المبادئ الإسلامية في التعامل مع التقنيات الحديثة لتحقيق الاكتفاء الذاتي والتقدم الحضاري للأمة.
كما أعرب المشاركون عن شكرهم وتقديرهم للأستاذ الدكتور أسامة الأزهري – وزير الأوقاف، على حسن الاستقبال وكرم الضيافة، وحُسن اختيار موضوع المؤتمر، لما له من أهمية في ربط قضايا العمل والمهن بالقيم الأخلاقية والإنسانية ومقتضيات العصر.
