ما حكم اجتماع العيد ويوم الجمعة؟
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وصلى الله على سيدنا وإمامنا وشفيعنا محمدٍ – صلى الله عليه وآله وسلم – عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.
وبعد:
فلقد اختلف الأئمة في حكم صلاة الجمعة إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة، ويمكن تلخيص هذا الاختلاف فيما يلي:
أولًا: مذهب الجمهور (السادة الحنفية – السادة المالكية – السادة الشافعية): اتفقوا على أنّ صلاة الجمعة لا تسقط عن من حضر صلاة العيد؛ وذلك لأن صلاة الجمعة فرض، وصلاة العيد سنة؛ فلا يسقط الفرض بالسنة، وإليك نصوص هذه المذاهب:
المذهب الحنفي:
يقول الإمام الزيلعي الحنفي: “وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَالْأَوَّلُ سُنَّةٌ [أي صلاة العيد] وَالثَّانِي فَرْضٌ [أي صلاة الجمعة] وَلَا يُتْرَكُ واحد منهما”. [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ – (
المذهب المالكي:
يقول القاضي عبد الوهاب المالكي: “إذا اتفق عيد وجمعة لم يُسقِط أحدُهما الآخر، خلافًا لمن قال: إن حضور العيد يكفي عن الجمعة، لقوله – تعالى: {إِذَا نُودِیَ لِلصَّلَوٰةِ مِن یَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡا۟ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ} [الجمعة: ٩]، وقوله – صلى الله عليه وسلم: “الجمعة على كل مسلم”…. ولأن الجمعة آكد من العيد لأنها فرض فإذا لم يسقط الأضعف كان الأضعف أولى بأن لا يسقط الأكبر”. [المعونة على مذهب عالم المدينة – (١/ ٣١١)]
المذهب الشافعي:
وفصل الإمام الشافعي القول في أهل البلد بأن صلاة الجمعة لا تسقط بصلاة العيد أما أهل العالية أي الذين يسكنون في أماكن بعيدة عن البلد فتسقط صلاة الجمعة بصلاة العيد، فيقول: “(قال الشافعي): وإذا كان يوم الفطر يوم الجمعة صلى الإمام العيد حين تحل الصلاة ثم أذن لمن حضره من غير أهل المصر في أن ينصرفوا إن شاءوا إلى أهليهم، ولا يعودون إلى الجمعة والاختيار لهم أن يقيموا حتى يجمعوا أو يعودوا بعد انصرافهم إن قدروا حتى يجمعوا وإن لم يفعلوا فلا حرج إن شاء الله – تعالى”. [الأم – للإمام الشافعي – (١/ ٢٧٤ ط الفكر)]
ثانيًا: مذهب الحنابلة:
ذهب السادة الحنابلة إلى أن من حضر صلاة العيد مع الإمام، سقط عنه حضور الجمعة، على أن يصليها ظهرًا، بينما يلتزم الإمام بإقامتها.
يقول الإمام ابن قدامة الحنبلي: “فإذا اتفق عيد في يوم جمعة فصلوا العيد لم تلزمهم الجمعة، ويصلون ظهراً لما روى زيد بن أرقم قال: «شهدت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عيدين اجتمعا في يوم، فصلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: من شاء أن يجمع فليجمع»”. [الكافي في فقه الإمام أحمد – (١/ ٣٣٨)]
الخلاصة:
فمن هذا يتبين لنا يسر الإسلام، وأن اختلاف الأئمة رحمة، ويمكن إيجاز الآراء الفقهية في حال اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد فيما يلي:
عند الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية): لا تسقط الجمعة بحال، ويجب على المسلم أداء الصلاتين كلتيهما؛ فالجمعة فرض عين ثابت بالقرآن، ولا تترك لما هو دونه في الرتبة.
وأضاف الشافعية العذر فقط للبعيدين عن البلد؛ وذلك لمشقة العودة عليهم.
عند الحنابلة: يسقط وجوب حضور الجمعة عمن شهد صلاة العيد، فيصليها ظهرًا في بيته إن شاء، مع بقاء الوجوب في حق الإمام لإقامتها لمن رغب في الجمعة أو لمن لم يشهد العيد.
والله أعلم.
وَصَلَّىٰ اللَّه وَسَلَّمَ وبارَكَ علىٰ سَيِّدِنَا ومَولَانَا مُحَمَّد، وَعَلَىٰ آلِهِ وصَحبِهِ والتَّابِعِينَ، والحَمْدُ للَّه ربِّ العَالَمِينَ.
