
*مفتي الجمهورية يختتم الدورة الحادية والعشرين لتأهيل المقبلين على الزواج ويؤكد: الأسرة المستقرة أساس بناء الإنسان والمجتمع*
*مفتي الجمهورية:*
*الأسرة مقصد شرعي وحضاري.. وبناء الإنسان يبدأ من بيت تسوده السكينة والمودة والرحمة*
*دار الإفتاء تتبنى رؤية متكاملة لتأهيل المقبلين على الزواج تجمع بين الأبعاد الشرعية والنفسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية*
*الحوار والتغافل وحفظ الأسرار والرحمة المتبادلة من أهم ركائز استقرار الحياة الزوجية*
*الاستخدام الرشيد لوسائل التواصل الاجتماعي وتجنب التهديد بالطلاق أو الخلع من أهم عوامل حماية الأسرة من التفكك*
اختتم فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، فعاليات الدورة الحادية والعشرين لتأهيل المقبلين على الزواج، بعنوان «عِشرة العُمر»، والتي نظمها مركز التدريب بالتعاون مع مركز الإرشاد الأسري بدار الإفتاء المصرية، بمحاضرة بعنوان «الزواج السعيد.. المفهوم والحكمة والأهداف»، تناول خلالها الأسس الشرعية والإنسانية لبناء الأسرة المستقرة، مؤكدًا أن نجاح الأسرة يمثل حجر الزاوية في بناء المجتمع وصيانة استقراره.
وفي مستهل كلمته، أعرب فضيلة مفتي الجمهورية عن تقديره للقائمين على مركز التدريب ومركز الإرشاد الأسري التابعين لدار الإفتاء مثمنًا جهودهما في تنظيم هذه الدورات النوعية التي تسهم في نشر الوعي، وترسيخ قيم الاستقرار الأسري، وغرس ثقافة المسؤولية لدى الشباب، مؤكدًا أن هذه الجهود تمثل إسهامًا مهمًّا في خدمة المجتمع، وحماية الأسرة المصرية، وتعزيز مقومات السكينة والطمأنينة داخل البيوت.
وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية أن رسالة دار الإفتاء المصرية لا تقتصر على بيان الأحكام الشرعية والإجابة عن أسئلة المستفتين، وإنما تمتد إلى الاضطلاع بمسؤولية مجتمعية واسعة تجاه القضايا التي تمس الإنسان والأسرة، من خلال منهج يجمع بين أصالة النصوص الشرعية، وفهم الواقع ومتغيراته، مشيرًا إلى أن دار الإفتاء حرصت منذ سنوات على إطلاق برامج متخصصة لتأهيل المقبلين على الزواج؛ إيمانًا منها بأن بناء الأسرة لا يقوم على المعرفة الشرعية وحدها، وإنما يحتاج إلى رؤية متكاملة تراعي الأبعاد النفسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية، بما يسهم في حفظ الحقوق، وتعزيز الواجبات، وترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم بين الزوجين.
وأضاف فضيلته أن دار الإفتاء المصرية، بوصفها مؤسسة علمية ومجتمعية، تسعى إلى الإسهام في بناء الإنسان، وتعزيز الأمن الفكري والاجتماعي، ومعالجة القضايا التي تمس الأفراد والمجتمعات، بما يحقق الصالح العام ويدعم استقرار المجتمعات، كما تناول فضيلته مفهوم الزواج السعيد في ضوء قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، موضحًا أن الآية الكريمة أرست أسس العلاقة الزوجية على السكن والمودة والرحمة، وهي معانٍ تتكامل لبناء علاقة مستقرة قادرة على مواجهة تغيرات الحياة وتحدياتها، وذلك أن الزواج ليس مجرد ارتباط اجتماعي، وإنما هو ميثاق غليظ وشراكة إنسانية تقوم على السكينة، وتثمر أسرة قادرة على بناء أجيال صالحة تسهم في نهضة المجتمع، موضحًا أن من مقاصد الزواج تحقيق السكن النفسي، وبناء المودة والرحمة، وحفظ الفطرة والعفة، وتكوين الأسرة، وإقامة شراكة حقيقية بين الزوجين. واستشهد بقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾، مبينًا أن التعبير القرآني يجسد معاني القرب والستر والحماية والتكامل، ويؤكد أن العلاقة الزوجية ليست ميدانًا للتنافس أو الصراع، وإنما تقوم على التعاون والتساند لتحقيق الاستقرار وبناء الحياة.
وأكد فضيلة المفتي أن تحقيق السعادة الزوجية يتطلب منظومة من القيم، في مقدمتها التواد، والتغافل عن الزلات، واحترام قدسية الميثاق الغليظ، مشيرًا إلى أن الإنسان بطبيعته غير معصوم من الخطأ، وأن الحكمة تقتضي تجاوز الهفوات الصغيرة وعدم تحويلها إلى أسباب للنزاع المستمر، مشددًا على أن الحوار الأسري يمثل دعامة أساسية لاستمرار الحياة الزوجية، لأنه يساعد على اكتشاف المشكلات قبل تفاقمها، ويعزز التفاهم بين الزوجين، ويعمق معرفة كل طرف بطبيعة الآخر، مؤكدًا أن المبادرة بالاعتذار عند الخطأ ليست ضعفًا، وإنما دليل على النضج والحرص على استمرار العلاقة.
ولفت فضيلة مفتي الجمهورية إلى ضرورة أن يحرص كل من الزوجين على فهم شخصية شريك حياته، ومعرفة ما يسعده وما يزعجه، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، موضحًا أن الخيرية الحقيقية تتجلى في اللين، والتسامح، والتقدير، والمساندة، والتكامل، مع ضرورة الرجوع إلى أهل الاختصاص عند مواجهة المشكلات الأسرية أو النفسية أو الاجتماعية؛ امتثالًا لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، مبينًا أن الأسرة لا تقتصر رسالتها على توفير الرعاية المادية وتنظيم شؤون الحياة اليومية، وإنما تمثل الحاضنة الأولى لتشكيل الوعي، وغرس القيم، وبناء الشخصية المتوازنة، مشيرًا إلى أن التحولات الفكرية والرقمية المتسارعة تضاعف مسؤولية الأسرة في حماية الأبناء من الاضطراب الفكري والسلوكي، وترسيخ هويتهم الوطنية والدينية، وإعدادهم لتحمل المسؤولية والمشاركة الإيجابية في بناء المجتمع.
وحذر فضيلته من خطورة التهديد بالطلاق أو الخلع عند كل خلاف، داعيًا إلى التماس الأعذار، وضبط الانفعالات، وعدم التسرع في اتخاذ القرارات المصيرية، مؤكدًا أن الحياة الزوجية بطبيعتها تمر بمراحل وظروف مختلفة، ولا يمكن أن تستقيم على وتيرة واحدة، منبهًا إلى خطورة العنف بجميع صوره، والإيذاء النفسي، والإهمال العاطفي، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن هذه الوسائل تحمل الخير والشر، وأن المسؤولية تكمن في حسن توظيفها بما يخدم الأسرة والمجتمع، ويحفظ خصوصية الحياة الزوجية واستقرارها.
هذا، وقد شهدت فعاليات ختام الدورة إجراء قرعة بين المشاركين؛ لاختيار الأكثر التزامًا بالحضور والتفاعل مع المحاضرات والأنشطة التدريبية، وذلك في إطار حرص دار الإفتاء المصرية على ترسيخ ثقافة المشاركة الإيجابية، وتشجيع الشباب على الاستفادة الفاعلة من البرامج التدريبية. وأسفرت القرعة عن فوز عدد من المشاركين بمنحة لحضور المؤتمر الدولي المقبل الذي تنظمه الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، حيث قام فضيلة مفتي الجمهورية بتكريم الفائزين، مؤكدًا أن هذا التكريم يأتي تشجيعًا للشباب على طلب العلم وتنمية الوعي، وتحفيزًا لهم إلى مواصلة الاهتمام بقضايا الأسرة، وبناء حياتهم الزوجية على أسس علمية وشرعية راسخة.
