ضمن دورة تأهيل المقبلين على الزواج.. أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر تؤكد:
• اختلاف الطباع والتنشئة والتوقعات والاحتياجات من أبرز أسباب الخلافات الأسرية
• الإسلام أقام العلاقة الزوجية على السكن والمودة والرحمة وجعلها أساسًا لتجاوز الخلافات
• التمييز بين الاختلاف والخلاف والشقاق يساعد على التعامل مع كل موقف بالأسلوب المناسب
• نموذج “الرشد” يقدم خطوات عملية لإدارة الخلافات تبدأ بالتهدئة وتنتهي بمتابعة تنفيذ الحلول
نشر الخلافات على وسائل التواصل تؤدي إلى تفاقم المشكلات
أكدت الأستاذة الدكتورة ابتسام مرسي محمد، أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة الأزهر، أن الخلافات الزوجية ليست مؤشرًا على فشل الحياة الأسرية، وإنما تمثل ظاهرة إنسانية طبيعية تنشأ عن اختلاف الشخصيات والخبرات والتنشئة والاحتياجات بين الزوجين، موضحة أن نجاح العلاقة لا يقاس بغياب الخلاف، وإنما بقدرة الزوجين على إدارته بصورة واعية تقوم على الاحترام والتفاهم والحوار البنَّاء، بما يحول الخلاف إلى فرصة لتعزيز التقارب والنمو المشترك.
جاء ذلك خلال محاضرتها بعنوان «إدارة الخلافات والمشاعر السلبية» ضمن فعاليات دورة تأهيل المقبلين على الزواج التي تنظمها دار الإفتاء المصرية، حيث استعرضت الأهداف العلمية والعملية للجلسة، وفي مقدمتها ترسيخ مفهوم أن الخلاف جزء طبيعي من الحياة الزوجية، وتعريف المشاركين بطبيعة الخلاف وأسبابه، والتمييز بين مراحله المختلفة، واكتساب مهارات الحوار وإدارة المشكلات، إلى جانب تنمية القدرة على التعامل مع المشاعر السلبية، والتعرف على الحالات التي تستوجب الاستعانة بالمتخصصين في الإرشاد الأسري.
وأوضحت أن الخلافات الزوجية لا تنشأ مصادفة، وإنما ترجع إلى اختلاف البيئات الأسرية التي نشأ فيها كل من الزوجين، وتباين الطباع الشخصية، واختلاف التوقعات المسبقة عن الحياة الزوجية، فضلًا عن تنوع الاحتياجات النفسية والعاطفية لكل طرف، مؤكدة أن فهم هذه الاختلافات يمثل الخطوة الأولى نحو بناء حلول مشتركة بعيدًا عن تبادل الاتهامات أو تحميل أحد الطرفين مسؤولية المشكلات، وأن الحوار المبكر حول التوقعات والاحتياجات يسهم في الوقاية من كثير من الخلافات المستقبلية.
واستعرضت الرؤية الإسلامية للعلاقة الزوجية من خلال قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، مبينة أن السكن والمودة والرحمة تمثل الأركان الأساسية التي تقوم عليها الأسرة المسلمة، فالسكن يعني شعور كل من الزوجين بالأمان والاستقرار داخل البيت، والمودة تتمثل في مظاهر الحب والاهتمام والرعاية اليومية، بينما تعكس الرحمة القدرة على احتواء أخطاء الشريك والتسامح معه وتجاوز لحظات الغضب بما يحافظ على تماسك الأسرة واستقرارها.
كما بينت أن التعامل مع الخلافات يتطلب إدراك الفروق بين مستوياتها المختلفة، موضحة أن الاختلاف يمثل تباينًا طبيعيًا في الآراء أو التفضيلات دون توتر، بينما يتحول إلى خلاف عندما يصاحبه سوء فهم أو مشاعر سلبية، ثم يصل إلى مرحلة الشقاق إذا تراكمت المشكلات واتسعت الفجوة العاطفية بين الزوجين فالخلاف لا يتصاعد بصورة مفاجئة، وإنما يبدأ باختلاف بسيط، ثم ينتقل إلى سوء الفهم، يعقبه تراكم المشاعر السلبية، ثم التصعيد، وصولًا إلى الشقاق، وهو ما يبرز أهمية التدخل المبكر ومعالجة المشكلات منذ بدايتها قبل أن تتفاقم وتصبح أكثر تعقيدًا.
واستكملت الأستاذة الدكتورة ابتسام مرسي محمد عرضها بالتأكيد على أن القاعدة الذهبية في إدارة الحياة الزوجية تتمثل في الإيمان بأن الخلاف أمر طبيعي، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في سوء إدارته، لافتة إلى أن كثيرا من الأزواج يربطون بين وقوع الخلاف وفشل العلاقة، في حين أن الواقع يؤكد أن الخلاف إذا أُدير بالحوار الهادئ والاحترام المتبادل والاستماع الجيد والتركيز على حل المشكلة بدلًا من مهاجمة الشخص، فإنه يصبح وسيلة لتعميق التفاهم وبناء الثقة، أما الصراخ والتجريح واستدعاء أخطاء الماضي والتعميم وإهمال مشاعر الطرف الآخر، فهي ممارسات تؤدي إلى اتساع الفجوة بين الزوجين وتراكم المشاعر السلبية التي تهدد استقرار الأسرة.
واختتمت محاضرتها بالتأكيد على أهمية اللجوء إلى المختصين في الإرشاد الأسري عندما يتوقف الحوار بين الزوجين، أو تتكرر المشكلة دون الوصول إلى حلول، أو يفقد أحد الطرفين الشعور بالأمان، أو تبدأ بوادر الشقاق في الظهور، مشددة على أن التدخل المبكر يسهم في حماية الأسرة قبل تفاقم الأزمات مستعرضة «ميثاق الحياة الزوجية الرشيدة» الذي يقوم على جعل رضا الله تعالى المرجعية العليا في العلاقة الزوجية، والمحافظة على الاحترام المتبادل في أوقات الاتفاق والاختلاف، ومناقشة المشكلات دون المساس بكرامة الشريك، والإنصات بقصد الفهم لا الانتصار، ومعالجة الخلافات في بدايتها، والاعتذار عند الخطأ والتسامح عند المقدرة، والحفاظ على خصوصية البيت محذرة من نشر الخلافات على وسائل التواصل مما يؤدي إلى تفاقم المشكلات مع التشاور في اتخاذ القرارات، واستحضار معاني المودة والرحمة، وصولًا إلى بناء أسرة مستقرة تُسهم في بناء مجتمع متماسك، مؤكدة أن الزواج الناجح لا يقوم على غياب الخلاف، وإنما على حسن إدارته بما يحقق السكن والمودة والرحمة بين الزوجين.
